السجود فى الطقس الكنسى
يقدم الانسان فى العبادة حركات خشوعية أمام الله ليعبر بها عن خضوعه وخشيته. وهذه الحركات على ثلاثة أنواع:
الأول: وتسمى احناء الرأس، وهى لها مواضع خاصة فى العبادة.
الثانى: وتسمى احناء الركب، ولها أيضاً مواضع خاصة فى العبادة.
الثالث: وتسمى السجود على الأرض ولها أيضاً مواضع خاصة فى العبادة
أما احناء الرأس فيتم أثناء الوقوف مع احناء الظهر قليلاً الى الأمام. واحناء الركب يتم بالركوع وملامسة الركب للأرض مع بسط اليدين نحو السماء. والسجود يتم بالركوع مع انطراح الوجه
ليلامس الأرض أيضاً عند الجبهة.
وهذه الأوضاع العبادية، تقليدية تستمد أصولها من العهد القديم ولو أنها فى العهد الجديد أصبحت ذات أهمية أكثر بسبب ازدياد الاحساس بالله لا من جهة الرهبة والخوف كسيد فقط بل ومن جهة كثرة مراحمه وبذله وشدة اتضاعه الذى أسر قلوبنا وجعلنا نخشع حباً عند الوقوف أمامه وقلبنا
ينفطر وعيوننا تفيض بالدموع أمام صليبه المحي الذى به نلنا الفداء.
وفى العهد القديم كانت العبادة تتم فى المجامع المحلية أو الهيكل الرئيسى فى أورشليم. ففى المجامع كان لا يجوز السجود اذ كان يكتفى باحناء الرأس فقط أو الركوع فى اتجاه مكان الهيكل، أما فى الهيكل نفسه فكانت العبادة تحتم الركوع والسجود على الأرض بسبب حضور الرب فى قدس
الأقداس: ” صعدت لأسجد فى أورشليم” (اع24: 11). ويقول سفر أخبار الأيام عن سليمان: ” ثم جثا على ركبتيه تجاه كل جماعة اسرائيل وبسط يديه نحو السماء وقال أيها الرب إله اسرائيل لا إله مثلك فى السماء والأرض حافظ العهد والرحمة لعبيدك السائرين أمامك بكل قلوبهم. ” (2أى6: 13، 14).
وقد استلمت الكنيسة هذه الأوضاع العبادية التقليدية الهامة من الرسل والتلاميذ أنفسهم، فنجد بطرس يجثو على ركبتيه فى الصلاة: ” فأخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلى ثم التفت الى الجسد وقال يا طابيثا قومى. ففتحت عينيها. ولما أبصرت بطرس جلست. ” (اع9: 40).
ونجد بولس يجثو أيضاً فى صلاته: ” ولما قال هذا جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى ” (اع20: 36).
ومن لغة بولس الرسول نفهم أن الركوع يعبر عن عمق صلاة الابتهال: ” بسبب هذا احنى ركبتىَّ لدى ابى ربنا يسوع المسيح.. لكى يعطيكم بحسب غنى مجده أن تتأيدوا بالقوة بروحه فى الانسان الباطن ” (اف3: 14، 16). أما عند ذكر العبادة فى الهيكل فنسمع بولس الرسول يقول:
” صعدت لأسجد فى أورشليم ” (اع24: 11).
وهنا نستطيع أن نلمح الفرق بين الركوع والسجود حيث السجود يقدم لله كعبادة خالصة بخوف وهيبة ووقار بدون طلب شئ أو انتظار نوال شئ.
والتفريق بين احناء الرأس واحناء الركب والسجود الكامل نجده واضحاً جداً أثناء صلاة القداس:
فعند صلاة التحليل ينادى الشماس: ” احنوا رؤوسكم أمام الرب” حيث ينال الشعب الحل من الأسقف أو الكاهن وهم واقفون. أو جالسون باحناء الرأس فقط. أما فى أيان الصوم عند الابتهال والطلبات [ كل أيام الصوم فى الأربعين المقدسة ]، فينادى الكاهن على كل الشعب: ” احنوا
ركبكم “. ويبتدئ يقول الطلبات والتوسلات وفى كل طلبة ينادى قائلاً: ” وأيضاً احنوا ركبكم “.
أما فى وقت حلول الروح القدس على الخبز والخمر فيصرخ الشماس: ” اسجدوا لله بخوف ورعدة “، حيث يتم السجود أمام الله للجسد ثم للدم. وهكذا ينبغى أن نفرق بين نداءات الشماس، لأن كل حركة فى العبادة سواء باحناء الرأس أو احناء الركب أو السجود تعبر تعبيراً طقسياً ذا معنى
عميق فيما يختص بالصلاة ودرجاتها. فالركوع يدل على أننا نتوسل ونبتهل فى الصلاة من أجل أنفسنا أو الأخرين، ونطلب من الله رحمة أو حلاً أو غفراناً منه رأساً أو من فم الأسقف أو الكاهن. ولكن السجود يدل على الخضوع والتوبة سواء لله فيكون برهبة وانسحاق وخوف عظيم أو
لمن أخطأنا اليه، عظيماً كان أو غير عظيم، ويكون باتضاع فقط. والسجود فى هذه الحالة يسمى: ” مطانيا “، ومعناها البسيط توبة.
وفى الركوع يقول القديس امبروسيوس: [ نحن نحنى ركبنا لأن الركب المنحنية أكثر من جميع حركات الجسد الأخرى تهيئ للانسان السماح من الله وزوال نقمته وقبول نعمته ].
وفى السجود يقول القديس ديونيسيوس الأريوباغى: [ وكل أصحاب الدرجات الكهنوتية أو المرشحين لها يلتزمون بالتقدم أولاً نحو المذبح الالهى ثم السجود لكى يعلنوا خضوعهم وتسليم حياتهم لله منه سينالون تكريسهم ].
وفى قول للقديس ديونيسيوس الأريوباغى نجد تفريقاً بين سجود الكاهن وسجود الشماس أثناء الرسامة: [ وبينما يركع الأساقفة والكهنة أثناء الرسامة على كلتا الركبتين يركع الشماس أثناء الرسامة على ركبة واحدة ].
ولكن من العسير فصل الركوع عن السجود عندما يلتهب قلب الانسان فى الصلاة وينتقل من مجرد التوسل الى تقدم الكرامة الواجبة. ولكن لا ينبغى أن ننتقل من الركوع الى السجود دون أن ننتقل روحياً وقلبياً من حالة التوسل والطلب الى حالة التسليم والخضوع.
ويقول القديس كليمندس الرومانى: ليتنا نسقط أمام الله متوسلين بالدموع
ويقول هرماس الراعى: فجثوت على ركبتى وبدأت أصلى لله معترفاً بخطاياى.
ويقص القديس هجسبُّوس سنة 170 ميلادية عن القديس يعقوب الرسول البار: [ أنه كان قد اعتاد أن يدخل الهيكل فى أورشليم وحده ويظل ساقطاً على ركبتيه ].
ويضيف يوسابيوس عن هجسبُّوس، أن ركبتى يعقوب الرسول البار صارتا من كثرة الركوع خشنة وصلبة مثل ركب الجمال.
ويقص لنا يوسابيوس عن قسطنطين الملك: أنه كان يذهب الى مخدعه المخصوص داخل القصر فى ساعات معينة من النهار ويغلق على نفسه ليناجى الله ويظل ساقطاً على ركبتيه متضرعاً من أجل شئون مملكته. كما يذكر يوسابيوس أيضاً عن قسطنطين أثناء مرضه الآخير: أنه كان
يركع على الأرض ويظل متوسلاً.
ويقص علينا القديس غريغوريوس النزينزى عن أخته القديسة: أن ركبها تصلبت من كثرة الركوع وأصبحت منحنية.
ويقص القديس اغسطينوس فى كتابه ” مدينة الله “. قصة عن معجزة شفاء تمت أثناء ما كان يصلى مع آخرين. وكيف أن الروح دفع المريض ليشارك الآخرين فى الركوع والصلاة: وبينما كنا راكعين على الأرض كالعادة، وإذ بالمريض ينطرح أيضاً بقوة خفية ويبتدئ يصلى. مع أنه لم
يكن قادراً على الركوع أو الكلام قبلاً.
ويقول أيضاً القديس اغسطينوس عن وضع الصلاة المناسب:
[ والذى يصلى ينبغى أن يقدم من أعضاء جسده ما يناسب التوسل،
فعليه أن يركع ثم اما أن يبسط يديه الى أعلى أو ينطرح على الأرض] وهنا يفرق القديس بين الركوع والسجود. وفى قول لأرنوبيوس يلمح على أن تقديم السجود للمسيح كعبادة خالصة أمرطبيعى فى حد ذاته: [ ونحن نسجد للمسيح طبيعياً لنعبده بصلاة متحدة ]
وفى قول آخر للقديس أبيفانيوس. يشدد أن العبادة بالسجود الزام: الكنيسة تأمرنا أن نرفع الصلوات لله بلا انقطاع بكل مداومة وبكل توسل راكعين فى الأيام المحددة ليل نهار.
والقديس جيروم يعتبر السجود تقليداً كنسياً: أنه تقليد كنسى أن نحنى ركبنا أمام المسيح. وأول تقليد وصلنا عن متى ينبغى السجود ومتى لا ينبغى جاءنا على يد القديس ايرينئوس، يقول عند سؤاله أنه منحدر بالتسليم من الرسل: [ وبما أنه واجب علينا ولائق أن نذكرعلى الدوام سقوطنا فى
الخطايا وكذلك نعمة المسيح التى بواسطتها قمنا من سقطتنا. لذلك فان ركوعنا على ركبنا فى اليوم السادس [الجمعة] هو اشارة الى سقوطنا فى الخطايا، أما عدم ركوعنا فى يوم الرب (الأحد) فهو اشارة الى القيامة التى حصلنا عليها بنعمة المسيح التى خلصنا بواسطتها من خطايانا ومن
الموت ] وهذا الكلام قاله القديس ايرنيئوس فى حديث له يوم عيد القيامة، اسمه: ” سؤال وجواب للأرثوذكس “
